لم يدرك حين روى لي قصة حياة وموت صديقه سمير رحمه الله وغفر له أنه سيكشف بنفسه ادلة تدينه ببعض ذنب موته ..
بدأ روايته بالرجوع بذاكرته عقدين للوارء
وتذكر ذلك الوجه المدور الجميل للطفل سمير الولد السمين ومحط سخرية فتيان الحي
قال :
كنت اشفق عليه وتزعجني سخرية الفتيان منه
لم أحتك به , كان يصغرني بعامين أو ثلاث وكنت قد تخطيت مرحلة الطفولة فيما هو لازال في زمرة الاطفال
كان يقيم في الحي المجاور لحينا وكنت اقابله بين الحين والآخر بحكم الجوار
ومضت ايام ٌ إن احصيتها ستعُدّ قرابة الشهرين اختفى خلالها سمير
لم اعد ارى ذلك الوجه الابيض المجمل بالعينين السوداوين والشعر والاسود والخدود الحمر
سألت عنه صاحب دكان صغيرٍ عند ناصية الحي
أجاب :
سمير في الإصلاحية ..
سألته مستغرباً :
ذاك الطفل والوديع ذا الأربعة عشرة ربيعاً في الاصلاحية !!
أجاب :
نعم , بسبب أمه وعشيقها ..
ارهقني السبب مثلما ارهقني الخبر
وغدا سمير الاسم الذي لا يفارق راسي والوجه الذي يسكن ذاكرتي ..
بعد ايام
رأيت سميراً جالساً عند حافة الدكان
برأس حليق ٍ ونظر ٍ كسير ٍ وجسمٍ أقل كتلةً ٍ مما كان
اقتربت منه لأسلم عليك وأسأله عن حاله دون أن أتطرق لذكر الاصلاحية
فأجاب بدموع وعويل ٍ لا زلت اقشعر كلما عاودني صداه ..
بتُّ أعطف عليه وأتقرب إليه وأصد عنه استهزاء فتيان الحيّ مهدداً إياهم بالبطش أو بالمقاطعة
إن اعتدوا عليه أو أزعجوه باي شكل كان
مضت الايام وكان قد ترك الدراسة
وأصبح متفرغاً وأكثر قرباً مني
لم استطع مصاحبته بمعنى الكلمة فلنا طبيعتين مختلفتين ولي صداقاتي ومشاغلي الكثيرة
لكني حاولت ألا أشعره بذلك وكنت في حاجته كلما احتاجني سواء للسهر أو للعمل أو لمجرد البوح ..
وفي إحدى جلسات البوح , قرر أن يحكي لي لماذا دخل الاصلاحية وماذا عانى فيها ..
وغير مستغرب على مثل سمير ذلك المخلوق اللين الطيب الرقيق أن يبدأ هكذا حكاية بالبكاء الطويل
أخذ يسرد ويبكي دون توقف ودون أدنى مقاطعة مني
قال :
كان ابي في عمله الذي يستهلك كامل ساعات يومه
وكنت عائدا من المدرسة في وقت مبكر على غير العادة
وحين وصلت البيت وفتحت بمفتاحي الخاص
وقع نظري على غرفة نوم والديّ المواجهة لباب البيت وكان باب الغرفة مفتوحاً ,
فشاهدت رجلا غريباً مع أمي ..
ركضت للمطبخ وتناولت سكيناً وهجمت عليه ,
غير أنه رجل ضخم وقويّ أخذ السكين مني وضربني وضربتني أمي وارتدى ثيابه وغادر ..
ابلغت ابي بالأمر غير أنه بعد أن اشتبك مع أمي
ولطمته بكلامٍ ً يعرّي عجزه الذي تسبب به مرض السكري عاد إلي ليصب جام غضبه عليّ ..
راقبتُ أمي بعدها لأيام ٍ ولم أرَ عشيقها ثانيةً ..
وفي يوم ,, رايتها تهم ّ بالخروج فتبعتها
وصلت إلى بيت ٍ , توقفت عند بابه , قرعته , ودخلت ْ
درتُ حول المنزل ووجدت شرفة واطئة ومطلة على الطريق , قفزت إليها
فأصبحت داخل البيت ..
نظرت عبر الزجاج فوجدت أمي مع عشيقها
طار صوابي فسحبت موسىً كنت أحملها معي لمثل هذه المباغتة
ودخلت وهاجمته وطعنته في كتفه من جهة الظهر ..
هربت أمي , وهو امسك بي واتصل بالشرطة ولفق لي قضية اعتداء بغرض السرقة ..
وحكم عليّ بدخول اصلاحية الاحداث لشهرين ..
كنتُ أستمع لسمير ذاهلاً عن اي شيء سوى عن صوته المخنوق بعبراته
ووصل بي الغضب اقصاه عندما أخبرني أنه حين استنجد بأمه لتخرجه من الاصلاحية
رفضت نجدته وطالبت باطالة مدة حبسه لأنها اصبحت تخشاه ..
في الاصلاحية كابوسٌ آخر ..
الفتى جميل وممتلئ , وكيف لا يحلو للمجرمين المرضى ممن هم اكبر منه سناً أن يعتدوا عليه ويقوموا باغتصابه مراتٍ ومرات ..
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ