بلسانه ..
لطالما أغرمتُ بثلاث ٍ ثلاثية الأحرف , السفر والبحر والطهو , ثلاثية عشق لاأعرف لها سبباً ككل ابتلاءات الحب , ولكن كنت كالعاشق المعدم , لا أملك مهر محبوباتي , لا أملك ثمن تذاكر ومصاريف سفر ولا ثمن يخت يحملني كنسيم على صفحة البحر ولا ثمن مطعم أمارس فيه شغفي بالطهو بذوقي الخاص ولا حتى ملكت شهادة طاهٍ تجعل ملّاك المطاعم يرغبون باستخدامي في مطاعمهم , لاأملك سوى شبابي وجسداً أنعم الله عليه بالقوة والصلابة والكمال أساساً وهيئة
فكيف السبيل لأحظى بمحبوباتي الثلاث برأسمالي البسيط ذاك ؟
وواتتني الفرصة التي حسبتها ذهبية , باخرة شحن يونانية يلزمها طباخ يتولى إطعام تسعة أفراد مختلفي الجنسيات والذين يشكلون طاقمها
تقدمت للوظيفة , امتُحنت , ونجحت
الحمد لله
مُنحت سريراً في كابين مشترك مع عامل هندي , واستبشرت إذ تعرفت بثلاث ٍ من الاخوان العرب من ضمن الطاقم " عبد الجبار " الضخم الطويل و " حسن " الضئيل الهزيل و " محمود " المشابه لي في الهيئة .
بدا جلياً أنهم يشكلون عصبة أو بالأصح "عصابة" كما يحدث عادة بين أفراد طواقم السفن , وكان فريقهم هو الأقوى نظراً لغلبة عددهم فهم ثلاثة رجال من بلد واحد بينما كان الآخرون متفرقين حسب جنسياتهم واحداً من كل بلد أو اثنين , وحسبتُ أني قد أستطيع الانضمام لهم كوني عربياً مثلهم فأستقوي بعصبتهم حذراً واحتياطاً من أي مفاجأة لا تسر .
توجهت الباخرة أولا لجزيرة مالطة وسارت الأمور بمسارها الطبيعي
كنت أسلي نفسي بأوقات فراغي بالصيد وبإشباع شغفي بالغوص الافتراضي في لجّة سحر .
وأحياناً قليلة كنت أجالس الاخوان العرب على سطح السفينة
وصلنا مالطة , لم يسمح لنا بمغادرة السفينة كما كنا نروم , أزعجنا الأمر جداً ولكن ما باليد حيلة , هي أوامر القبطان وطاعته فرض , قضينا السهرة على السطح نتسامر
في ستر الليل حضر تجار التهريب بمراكبهم الصغيرة وأوقفوها بمحاذاة السفينة فقام الاخوان العرب بمبادلتهم ببعض البضائع التي لم أرَها , ستفسرت منهم فلم يخبروني فاشتريت بضع صناديق من السجائر بغية بيعها في ايطاليا محطتنا القادمة لكسب مالٍ اضافي , لاحظت خلال سهرتنا أن حسن قد غادر خلسة وذهب وغاب فترة ثم عاد , من عادتي أن لايمر من تحت ناظري تصرف أو قول إلا وأقلبه بعقلي ذات اليمين وذات الشمال , فكرت , ترى أين ذهب ؟ خفت أن يكون قد استغل فرصة وجودي على السطح ليقوم بسرقة بعض مقتنيات المطبخ والتي تقع تحت مسؤوليتي , انتظرت عودته وذهبت لأتفقد الطعام ومواده الأولية فلم أجد نقصاً , توجهت لغرفتي لأبيت ليلتي , فلاحظت أمراً غريباً
من عادتي أن أكوّر وسادتي بحيث تبدو منفوخة
وجدتها مسطحة !
نظرت لأعمدة السرير الحديدية فوجدت الفواصل غير متطابقة تماماً
رغم حيرتي , لم أعبأ كثيراً للأمر
وفي اليوم التالي صعد عدد من افراد الشرطة إلى الباخرة في تفتيش روتيني للتأكد من عدم وجود مخالفات تهريب بَشَر أو بضائع ,
لم يجدوا شيئًا فسُمح للباخرة بمغادرة الميناء .
بعد أن وصلنا المياه الاقليمية الايطالية , وخلال احدى الليالي , تردد في خاطري مشهد وضعية الوسادة وأعمدة السرير , والشرطة , وغياب حسن
فتوجهت لشريكي بالكابين " الشاب الهندي " بالسؤال حول إن كان رأى أحداً يدخل هنا أو يقترب من سريري
فقال نعم
عندما كنا في ميناء مالطة , دخلت الكابين فوجدت صديقك على سريرك وعندما رآني غادر على الفور .
قلت
المزيد
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ